ابن رشد

198

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 334 ] وأما قوله تعالى : « لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ » ( الأنبياء 23 ) فإن معناه لا يفعل فعلا من أجل أنه واجب عليه أن يفعله . لأن من هذا شأنه ، فيه حاجة إلى ذلك الفعل . وما كان هكذا فهو في وجوده يحتاج إلى ذلك الفعل : إما حاجة ضرورية ، وإما أن يكون به تاما . والباري سبحانه يتنزه عن هذا المعنى . فالإنسان يعدل ليستفيد بالعدل خيرا في نفسه ، لو لم يعدل لم يوجد له ذلك الخير . وهو سبحانه يعدل لا لأن ذاته تستكمل بذلك العدل ، بل لأن الكمال الذي في ذاته اقتضى أن يعدل . [ 335 ] فإذا فهم هذا المعنى هكذا ، ظهر أنه لا يتصف بالعدل على الوجه الذي يتصف به الإنسان . لكن ليس يوجب هذا أن يقال إنه ليس يتصف بالعدل أصلا ، وأن الأفعال كلها [ تكون ] في حقه لا عدلا ولا جورا ، كما ظنه المتكلمون . فإن هذا إبطال لما يعقله الإنسان ، وإبطال لظاهر الشريعة . [ 336 ] ولكن القوم شعروا بمعنى ووقعوا دونه ، وذلك أنه إذا فرضنا أنه لا يتصف بعدل أصلا ، بطل ما يعقل من أن هاهنا أشياء هي في نفسها عدل وخير ، وأشياء هي في نفسها جور وشر . إذا فرضنا أيضا أنه يتصف بالعدل على جهة ما يتصف به الإنسان ، لزم أن يكون في ذاته سبحانه نقص . وذلك أن الذي يعدل فإنما وجوده ( 69 / ظ ) هو من أجل الذي يعدل فيه ، وهو بما هو عادل خادم لغيره . [ 337 ] وينبغي أن تعلم أن هذا القدر من التأويل ليس معرفته « 81 » واجبة على جميع الناس ، وإنما الذين « 82 » تجب عليهم هذه المعرفة هم الذين عرض لهم الشك في هذا المعنى . وليس كل أحد من الجمهور يشعر بالمعارضات التي في تلك العمومات . فمن لم يشعر بذلك ففرضه اعتقاد تلك العمومات على ظاهرها . [ 338 ] وذلك أن لورود تلك العمومات أيضا سببا آخر ، وهو أنه ليس يتميز لهم المستحيل من الممكن ، واللّه تعالى لا يوصف بالاقتدار على المستحيل . فلو قيل لهم في ما هو مستحيل في نفسه مما هو عندهم ممكن ، أعني في ظنونهم ، أن اللّه لا يوصف بالقدرة عليه ، تخيلوا « 83 » من ذلك نقصا في الباري سبحانه وعجزا . وذلك أن

--> ( 81 ) . ت ، مل 1 " معرفة " . مل 2 راجعه فصححه : معرفته . ( 82 ) . س : " الذي " ( 83 ) . س ، ت ، مل 1 : " فتخيلوا " .